أبي حيان الأندلسي

49

تفسير البحر المحيط

الآية على ظاهرها ، وأراد : يتعدّى إلى الأجرام بالباء ، وإلى المصادر بنفسه ، كالآية . ويأتي أيضاً متعدّياً إلى الإجرام بنفسه وإلى المصادر بالباء . قال : * أرادت عرار بالهوان ومن يرد * عراراً ، لعمري بالهوان فقد ظلم * قالوا : يريد هنا بمعنى أراد ، فهو مضارع أريد به الماضي ، والأوْلى أن يراد به الحالة الدائمة هنا ، لأن المضارع هو الموضوع لما هو كائن لم ينقطع ، والإرادة صفة ذات لا صفة فعل ، فهي ثابتة له تعالى دائماً ، وظاهر اليسر والعسر العموم في جميع الأحوال الدنيوية والأخروية . وفي الحديث . ( دين الله يُسر يَسِّر ولا تعسر ) . وما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ، وفي القرآن : * ( مَّا جَعَلَ * عَلَيْكمْ فِى الدّينِ مِنْ حَرَجٍ ) * * ( وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالاْغْلَالَ الَّتِى كَانَتْ عَلَيْهِمْ ) * فيندرج في العموم في اليسر فطر المريض والمسافر اللذين ذكر حكمهما قبل هذه الآية ، ويندرج في العموم في العسر صومهما لما في حالتي المرض والسفر من المشقة والتعسير . وروي عن علي ، وابن عباس ، ومجاهد ، والضحاك : أن اليسر الفطر في السفر ، والعسر الصوم فيه ، ويحمل تفسيرهم على التمثيل بفرد من أفراد العموم ، وناسب أن مثلوا بذلك ، لأن الآية جاءت في سياق ما قبلها ، فدخل فيها ما قبلها دخولاً لا يمكن أن يخرج منها ، وفي ( المنتخب ) * ( يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ ) * كاف عن قوله : * ( وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ) * وإنما كرر توكيداً . انتهى . وقرأ أبو جعفر ، ويحيى بن وثاب ، وابن هرمذ ، وعيسى بن عمر : اليسر والعسر ، بضم السين فيهما ، والباقون بالإسكان . * ( وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ ) * : قرأ أبو بكر ، وأبو عمر وبخلاف عنهما ، وروي : مشدد الميم مفتوح الكاف ، والباقون بالتخفيف وإسكان الكاف ، وفي اللام أقوال . الأول : قال ابن عطية : هي اللام الداخلة على المفعول ، كالتي في قولك : ضربت لزيد ، المعنى ، ويريد إكمال العدة ، وهي مع الفعل مقدرة بأن ، كأن الكلام : ويريد لأن تكلموا العدة ، هذا قول البصريين ، ونحوه . قول أبي صخر . * أريد لأنسى ذكرها فكأنما * تخيل لي ليلى بكل طريق * انتهى كلامه . وهو كما جوّزه الزمخشري . قال : كأنه قيل : يريد الله بكم اليسر ، ويريد لتكملوا ، لقوله : * ( يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ ) * وفي كلامه أنه معطوف على اليسر ، وملخص هذا القول : أن اللام جاءت في المفعول المؤخر عن الفعل ، وهو مما نصوا على أنه قليل ، أو ضرورة ، لكن يحسن ذلك هنا ، بعده عن الفعل بالفصل ، فكأنه لما أخذ الفعل مفعوله ، وهو : اليسر ، وفصل بينهما بجملة وهي : ولا يريد بكم العسر ، بعد الفعل عن اقتضائه ، فقوي باللام ، كحاله إذا تقدم فقلت لزيد ضربت ، لأنه بالتقدم وتأخرُ العامل ضعف العامل عن الوصول إليه ، فقوي باللام ، إذ أصل العامل أن يتقدم ، وأصل المعمول أن يتأخر عنه ، لكن في هذا القول إضمار إن بعد اللام الزائدة ، وفيه بعُد وفي كلام ابن عطية تتبع ، وهو في قوله : وهي ، يعني باللام مع الفعل ، يعني تكملوا مقدرة بأن ، وليس كذلك ، بل أن مضمرة بعدها واللام حرف جر ، ويبين ذلك أنه قال : كأن الكلام : ويريد لأن تكملوا العدة ، فأظهر أن بعد اللام ، فتصحيح لفظه أن تقول : وهي مع الفعل مقدران بعدها ، وقوله : هذا قول البصريين ونحوه ، قول أبي صخر . أريد لانسى ذكرها ليس كما ذكر ، بل ذلك مذهب الكسائي والفراء ، زعما أن العرب تجعل لام كي في موضع أن في أردت وأمرت . قال تعالى : * ( يُرِيدُ اللَّه